عبد الله بن أحمد النسفي

60

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 46 إلى 47 ] قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) الأنبياء كان محكوما عليه بالغيّ المبين ، فكيف بمن يعبد حجرا ، أو شجرا لا يسمع ذكر عابده ، ولا يرى هيئات عبادته ، ولا يدفع عنه بلاء ، ولا يقضي له حاجة ، ثم ثنى بدعوته إلى الحقّ مترفقا به متلطفا ، فلم يسمّ أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال : إنّ معي شيئا من العلم ليس معك ، وذا علم الدلالة على الطريق السويّ ، فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتّبعني أنجّك من أن تضلّ وتتيه ، ثم ثلّث بنهيه عما كان عليه بأنّ الشيطان الذي عصي الرحمن الذي جميع النّعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك ، فأنت عابده في الحقيقة ، ثم ربّع بتخويفه سوء العاقبة وما يجرّه ما هو فيه « 1 » مع مراعاة الأدب حيث لم يصرّح بأن العقاب لا حق به ، وأنّ العذاب لاصق به ، بل قال : أخاف أن يمسّك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل ، كأنه قال : إني أخاف أن يصيبك نفيان « 2 » من عذاب الرحمن ، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب ، كما أنّ رضوان اللّه أكبر من الثواب في نفسه ، وصدّر كلّ نصيحة بقوله يا أبت توسلا إليه ، واستعطافا وإشعارا بوجوب احترام الأب وإن كان كافرا ، فثم : 46 - قالَ آزر توبيخا أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ أي أترغب عن عبادتها ، فناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بنيّ ، وقدم الخبر على المبتدأ لأنه كان أهمّ عنده لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن شتم الأصنام لَأَرْجُمَنَّكَ بالرجمان ، لأقتلنّك بالحجارة « 3 » أو لأضربنّك بها حتى تتباعد ، أو لأشتمنّك وَاهْجُرْنِي عطف على محذوف يدلّ عليه لأرجمنّك تقديره فاحذرني واهجرني مَلِيًّا ظرف أي زمانا طويلا ، من الملاوة . 47 - قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سلام توديع ومتاركة ، أو تقريب وملاطفة ولذا وعده بالاستغفار بقوله سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي سأسأل اللّه أن يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ملطفا بعموم النّعم ، أو رحيما ، أو مكرما ، والحفاوة الرأفة والكرامة « 4 » .

--> ( 1 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) من التبعة والوبال . ( 2 ) نفيان : ما يحمله الريح ( القاموس 4 / 396 ) . ( 3 ) في ( ظ ) بالرجام أو لأضربنك بها ، وفي ( ز ) لأقتلنك بالرجام أو لأضربنك بها ، والرجمان والرجام الحجارة الضخام . ( 4 ) في ( ظ ) الرحمة والرأفة والكرامة ، وفي ( ز ) الرأفة والرحمة والكرامة .